الشيخ الطبرسي

401

تفسير مجمع البيان

( وأنزلنا معهم الكتاب ) المكتوب الذي يتضمن الأحكام ، وما يحتاج إليه الخلق من الحلال والحرام ، كالتوراة والإنجيل والقرآن . ( والميزان ) أي وأنزلنا معهم من السماء الميزان ذا الكفتين ، الذي يوزن به ، عن ابن زيد ، والجبائي ، ومقاتل بن سليمان . وقيل : معناه أنزلنا صفة الميزان . ( ليقوم الناس ) في معاملاتهم ( بالقسط ) أي بالعدل ، والمراد : وأمرنا بالعدل كقوله ( الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان ) ، عن قتادة ، ومقاتل بن حيان . ( وأنزلنا الحديد ) روي عن ابن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض : أنزل الحديد والنار والماء والملح ) . وقال أهل المعاني : معنى أنزلنا الحديد : أنشأناه وأحدثناه ، كقوله ( وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ) وإلى هذا ذهب مقاتل فقال معناه : بأمرنا كان الحديد . وقال قطرب : معنى أنزلنا هنا هيأنا وخلقنا ، من النزل ، وهو ما يهيأ للضيف أي أنعمنا بالحديد وهيأناه لكم . وقيل : أنزل مع آدم من الحديد العلاة ، وهي السندان ، والكلبتان ، والمطرقة ، عن ابن عباس . ( فيه بأس شديد ) أي يمتنع به ، ويحارب به ، عن الزجاج . والمعنى أنه يتخذ منه آلتان : آلة للدفع ، وآلة للضرب ، كما قال مجاهد فيه جنة وسلاح . ( ومنافع للناس ) يعني ما ينتفعون به في معاشهم ، مثل : السكين ، والفأس ، والإبرة ، وغيرها مما يتخذ من الحديد من الآلات . وقوله : ( وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ) معطوف على قوله ( ليقوم الناس بالقسط ) أي ليعاملوا بالعدل ، وليعلم الله نصرة من ينصره موجودة ، وجهاد من جاهد مع رسوله موجودا . وقوله : ( بالغيب ) أي بالعلم الواقع بالاستدلال والنظر من غير مشاهدة بالبصر ( إن الله قوي ) على الانتقام من أعدائه ( عزيز ) أي منيع من أن يعترض عليه في أرضه وسمائه . النظم : وجه اتصال قوله ( وما أصاب من مصيبة ) الآية بما قبلها أنه سبحانه لما بين الثواب على الطاعات ، عقبه ببيان الأعواض على مقاساة المصائب والملمات ، فقال : لا يذهب علينا عوض من أصابته مصيبة ما ، فإن كانت من فعلنا نعوضه بالأضعاف من جزائنا ، وإن كان من فعل عبادنا فباستيفائنا ذلك منهم . ثم أكد ذلك بقوله ( لكيلا تأسوا ) الآية . لأن المصيبة لو كانت بغير عوض في العاقبة ، لازداد الأسى والحزن ، فإن الحزن كل الحزن في الخسران الذي ليس له جبران . ثم عقب